
شكّل الاستهداف الإيراني للقواعد الأميركية ومصالح أخرى في الخليج، المرّة الأولى التي يتمّ فيها بهذه الشمولية في تاريخ العلاقات بين ضفتَي الخليج منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979. ومع ذلك، ورغم أن البيانات الصادرة عن الدول الخليجية جاءت أكثر حدّة مما جرت العادة، غير أن هذا الاستهداف يختلف كثيراً عن ضرب تلك الدول بذاتها. ولذا، رأينا أن الأمر لم يؤدّ إلى إجراءات عملية من نوع سحب السفراء أو قطع العلاقات، باستثناء ما فعلته الإمارات، وكأنّ البلدان الخليجية تتقبّل عملياً القدر الحالي من الرد، ولو صرّحت بغير ما تقدّم.
ويعكس ذلك العلاقة المعقّدة التي سادت خلال العقود الماضية بين إيران ودول «مجلس التعاون الخليجي»، والتي تحسّنت كثيراً في السنوات الأخيرة، لتُراوِح بين جيدة مع دول ككقطر وسلطنة عمان، وهادئة مع بقية دول المجلس. والواقع أن تلك الدول لم تتضرّر أبداً من علاقتها مع النظام الحالي في إيران، بل على العكس، هي شهدت أفضل سنوات استقرارها وازدهارها في جواره. فمن جهة، وفّر لها صورة الخصم الذي تشدّ عصب رأيها العام حوله، ومن جهة أخرى، لم يقم بممارسة دور بلطجي الحيّ الذي يستفيد من إمكاناته وفارق حجمه لابتزاز جيرانه وتحصيل المكاسب منهم.
والعلاقة الملتبسة هذه كانت دائماً نتيجة الوجود الأميركي في دول الخليج، والذي كان من بين أهدافه الرئيسة احتواء إيران. وحتى الاستهدافات أو العمليات التي نُسبت إلى طهران على مدى عقود في تلك الدول، إنما كانت بصورة أساسية ضدّ الأميركيين والغربيين. وبعكس الاتهامات الرائجة، لم تتدخّل إيران فعلياً في الشؤون الداخلية لبلدان الخليج، ولا في خياراتها الخارجية، بما في ذلك خيار تطبيع العلاقات مع إسرائيل الذي انخرطت فيه كلها بشكل أو آخر - إذا استثنينا الكويت -، بما فيها سلطنة عُمان التي تأتمنها طهران على مفاوضاتها مع واشنطن، رغم أن للسلطنة شكلاً من أشكال العلاقة مع إسرائيل، وتحالفاً صريحاً مع الولايات المتحدة.
كان يمكن لإيران أن تهادن أميركا، وحتى إسرائيل، وتتفرّغ للاستفادة من موقعها وحجمها، على حساب جيرانها. إلا أن نظامها ذا الطبيعة العقائدية، قدّم دائماً معركته مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وهذا كان مما يؤخذ عليه من شرائح من المجتمع الإيراني، بما في ذلك الكثير من الإصلاحيين الذين هم من القوة بحيث أوصلوا ممثّلهم إلى رئاسة الجمهورية، ودائماً ما ترتفع أصواتهم عند كلّ المنعطفات، مطالِبة بمرونة أكبر في السياسة الخارجية تتيح الاستفادة من الفرص. أمّا ما يوحّد الإصلاحيين والمحافظين في المعركة الحالية، فهو العامل الوطني، والذي يحتلّ موقعاً متقدّماً في الأجندة الإيرانية إلى جانب العقيدة، وإلا لكانت إيران التفتت إلى مصالحها، ولكانت أكثر ثراء وازدهاراً من دول الخليج، ولما كنّا نجد جاليات إيرانية تعمل بمهن متواضعة في تلك الدول.
الواقع أن أيّ نظام آخر في طهران غير الحالي، سيكون أسوأ لدول الخليج. فهل تناسب تلك الدول ديمقراطية مزهرة على النمط الأوروبي، أم أن هذه قد تكون معدية، ولا سيما في البلدان ذات الحجم الكبير كالسعودية؟ أم هل يروقها النمط الذي كان قائماً قبل الثورة، أي ملَكية متحالفة مع أميركا وإسرائيل، حين كانت إيران شرطيّ الخليج؟ أم يوافق مصالحها أن تكون الجمهورية الإسلامية دولة مفكّكة إلى قوميات وأديان ومذاهب وتسودها الفوضى، كما هي الحال في دول عديدة تدخّلت فيها الولايات المتحدة لتغيير الأنظمة، من مثل العراق وأفغانستان، أي بؤرة اضطراب يؤدي إلى موجات من اللاجئين إلى دول الجوار، في ما يمثّل الخلطة السرية لزعزعة دول المنطقة؟
عندما كان الشاه في الحكم، لم يتجرّأ صدام حسين، مثلاً، على المطالبة باستعادة أراضٍ في شطّ العرب، ولا تجرّأت الإمارات على المطالبة بالجزر. وفي المقابل، يساوي النظام الحالي نفسه بالبلدان الصغيرة في التعاطي مع الخلافات الحدودية، وهو أبدى استعداداً لحلّ جزء من هذه المشاكل عبر التحكيم الدولي، في حين استفادت دول الخليج من سوء العلاقة بين طهران وواشنطن لتعزيز موقفها في الخلافات المذكورة. حتى إن تعامل تلك الدول بعضها مع بعض في النزاعات الحدودية، وهي كثيرة، بدا أشدّ من تعامل إيران معها. ثمّ إن الجمهورية الإسلامية لم تنتقم من البلدان الخليجية التي دعمت صدام حسين في حربه ضدّها، بالمال والسلاح وحتى بذهب النسوة، بل وقفت مع الكويت والسعودية ضدّ صدام عندما اجتاح الأولى وهدّد الثانية.
بعد القصف الإيراني الأخير للقواعد الأميركية في الخليج، تساءل حمد بن جاسم في منشور مطوّل على منصة «إكس» عن «ما الذي تريده إيران يا ترى من زجّ كل دول مجلس التعاون الخليجي في حربها مع أميركا وإسرائيل؟ فمهما كان الجواب، فإن إيران فقدت بهذا العمل تعاطفاً خليجياً كان يدفع بكلّ جهد ممكن نحو التهدئة، وزرعت كذلك شكوكاً يصعب محوها في مستقبل علاقاتها مع دول المجلس؟». لكنه أجاب بنفسه بالقول إن «من الواضح أن ما حصل يملي علينا في دول المجلس مراجعة وجهات نظرنا حتى لا نُزَجَّ في صراعات ليست لنا فيها مصلحة، وهذا يتطلّب منا أن نبني لأنفسنا قوة ردع لا تعتمد على الحليف بقدر ما تعتمد على الذات».